كنا/
نحن جميعا نعرف إن اقرب المعاني من كلمة الكبير هي المتقدم بالسن، أي الرجل المسن، لكن بعض معاني هذه الكلمة تطلق على الكاتب المتميز والشاعر كذلك فيقال عنهما الشاعر الكبير والكاتب الكبير وربما المبدع الكبير، لكني قلما اسمع أن هذه الصفة تطلق مثلا على السياسي ليقال عنه السياسي الكبير فهو عادة ما تنطبق عليه صفة المسؤولية التي يحملها، لذلك فان هذه الكلمة بقيت وكانها حكرا على المبدعين من الكتاب الفنانين والشعراء والادباء والصحفيين وروّاد العلوم المختلفة.
ولعمري إن هذه الصفة لا يمكن ان يطلقها الانسان على نفسه أو أحد من عائلته مهما بلغت درجة تقدمه في الطريق الذي يسير فيه أو ابداعاته في هذا الجانب او ذاك ومهما بلغت خبرته فالحكم في هذه الحالة للناس الذين يتأثرون بفعله الابداعي وعليه يقيسون مقدار كبره من عدمه فليس الكبير من يعطي نفسه هذه الصفة رغم ان الناس يعرفون مكانته التي لا تصل الى المراحل الاولى في سلّم الحياة، والكبر لم يكن في التباهي ولا بحجم الجسم، بل بالفكر وقوة التحكم في العقل وامامنا صور عديدة تحكي قصص عن تصّدر صبايا صغار لجلسات دواوين كبيرة وكانوا فيها مصدر إهتمام رجال تلك الدواوين وحكمائها فرجاحة العقل هي الأساس وليس كمية " اللحم" التي يتكون منها جسم الانسان فنحن لا نستطيع ان نزن العقل بميزان لكننا نستطيع وزن الجسم لذلك فان العقل يوزن بمقدار الحكمة والخلق وبحسن التصرف وشفافية الموقف، فيقال للعاقل المتأدب المتزن "عقلت يوزن جبل" وان الشخصية الحقيقية لا تبنى ولا تقاس بالاحجام الكبيرة ولا بادعاء الخبرة المزيفة والكاذبة كما يفعل البعض لان الغرور
يدفع بصاحبه دائما الى الندم.
ودعوني ان اسوق لكم هذه الحكاية القديمة يقال ان شخصا اسمه جار الله كان يكذب كثيرا ويدعي ادعاءات عديدة فلا يصدّقه احد غير زميل كان يدفعه ويكتب له ابيات من الشعر يتغاوى بها على طريقة البعض ممن يدعون الشعر وهم لم يكونوا من الشعراء وما اكثرهم في وقتنا هذا لكن هذا المدعي صدّق بهذه الكذبة بانه جار "الله" بحق وحقيق وبات يتصرف بكبرياء مع الناس ويتعالى عليهم ويصفهم بعديمي الفهم
اما هو فهو الخبير بكل شيء وليس لغيره الحق أن يدعي الخبرة وبدفع من صديقه المهوال كان يجعل من نفسه قريبا من الخالق جلت قدرته لكن في النفخ فقط.
وذات ليلة جاء الشاعر الى صديقه جار الله فوجده ميتا دون ان يقف على جنازته احد
فاستغرب للامر وقال وهل يموت جيران الله ايضا و"هوّس" بالقرب من الجنازة (انت توصي بسابع جار شلون تمّوت جارك) وسط استهجان كل الناس.
لذلك نقول ليس للمتكبر والمتعالي والمدعي اي مكان بيننا فقد تنطلي بعض الأدعاءات لفترة محدودة لكن الثوابت تبقى كما هي وان الانسان الذي يبني نفسه على الخطأ يسير نحو الفشل لا محال ويبقى وحيدا عندما تنكشف ألاعيبه وبطلان ما كان يدعيه فيخسر نفسه ويخسر احترام المجتمع.
فان الكبير هو من يحقق انجازا كبيرا يعزز من مكانته علميا وثقافيا وخلقيا وبذلك يكبر في عيون مدينته وشعبه من خلال عطاءه وحبه لهم واحترامه لامانيهم، وليس لمن يدعي الكبر وهو على فراغ وهذا ما يجعله في خانة المنافقين والجهلة.
