أحدث الاخبار

التعصب الديني والطائفي وأثره على المجتمع ..

عامر العيداني
0

كنا/ التعصب مصطلح عام يحتوي بين طياته معاني كثيرة وله عدة انواع  ، ويعرف باللغة حسب ما قال ابن منظور:”التعصب:من العصبية.والعصبية:أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتآلب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل:تعصبوا..
والعصبية تعني المحاباة والمدافعة والمناصرة .. وتأتي تحت مثل الجاهلية ( انصر اخاك ظالما أو مظلوما ) ..والتي كانت تستخدم قبل الاسلام بين القبائل في صراعهم من اجل السيطرة على الماء والكلأ في الجزيرة العربية حتى جاء الاسلام وقضى عليها .
أما تعريفه الاصطلاحي العام والشائع بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدد فيرى نفسه دائما على حق ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان.
ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقف متزمتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته .
التعصب أخذ اشكالا وأنواعا متعددة عبر التاريخ أما الاساسية والأكثر شيوعا منها والتي أخذت  مساحة واسعة مجتمعيا هي :
–التعصب الديني أو الطائفي .
- التعصب العرقي أو القومي أو القبلي:وهو التعصب على أساس النوع البشري، سواء اختلفت الألوان أو اتفقت.
- التعصب الفكري: وهو التفكير دائما بصفة أحادية مع إلغاء الرأي الآخر ورفض تقبله ونقاشه. وهو إلغاء العقل .
- التعصب للنوع الاجتماعي:كتعصب النساء للنساء، والرجال للرجال مع إلغاء مبدأ تفضيل الناس على أساس التقوى والكفاءة والموهبة والمهارة كل بحسبه .
وهناك انواع اخرى من التعصب ولكن ذات وجود محدود وتأثيرها فقط على مجتمعات محددة باطار بعض الممارسات ذات الطابع الفئوي مثل التعصب الرياضي والسياسي والحزبي والطبقي  وغيرها ، ولكن أهمها التعصب الديني والمذهبي (الطائفي) في الفترة الحالية التي تمر بها المجتمعات المتخلفة بسبب تنامي ظاهرة الحروب الاهلية وسقوط الانظمة الدكتاتورية بالاضافة الى قيام جهات دولية بدعم هذه الظواهر لغايات سياسية ومن اجل تغيير واقع بعض المناطق في العالم وتفتيتها للسيطرة عليها اقتصاديا .
التعصب الديني أو الطائفي رافق المسلمين منذ بداية نشوء الدولة الاسلامية في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم ، حيث رفض بعض وجهاء قريش الدعوة بمحاربتها وعدم قبولهم لها لان لهم الهة يعبدونها منذ فترة طويلة . وتنامت ظاهرة الصراع بعد وفاة النبي وانقسم المسلمون على انفسهم حتى استقر الحكم الاموي وسكنت الامور بعد قتل الامام علي وابناءه حيث اختفى انصارهم خوفا من المتابعة والقتل فكان صراعا خفيا ، وكذلك في فترة الدولة العباسية حيث قتل الكثير من اتباع اهل البيت .
وكان هذا الصراع سببه ان الرسول قد أوكل الولاية لعلي بن ابي طالب في غدير خم حسب الروايات ولكن الاخرون تنكروا لها في سقيفة بني ساعدة وقالوا يقصد بها ولاية المؤمنين وليس الخلافة وهنا بدأت حالة الافتراق وكل جهة تعصبت برأيها. واستمر هذا الاختلاف والصراع الى يومنا هذا وكل طرف يحاول الغاء الطرف الاخر وعدم حصول أي توافق بينهما وترك الامور الى الله عز وجل هو الذي يحكم بها والعيش في أمان وسلام .
ولم يأخذ المسلمين درسا من الصراع الذي حصل في اوربا قبل الثورة الصناعية بين الكاثوليك والبروتستانت المسيحية التي تقاتلت لقرون بسبب الاختلاف الديني والمذهبي والذي انتهى بعد الحرب العالمية الثانية واستقرت الامور وتطورت اوربا بعد اتفاقهم على عزل الكنيسة عن الدولة .
أما ما يحدث حاليا في العراق من صراع ديني وطائفي الذي افرزه الاحتلال وأخرجه الى السطح باسقاط حكم صدام حسين وتشكيل حكومة طائفية قومية منقسمة على نفسها وأدت الى تدهور الحياة الاجتماعية وحصول انقسامات شديدة بين من ينتمي الى حكم صدام مذهبيا والى من ينتمي الى الاحزاب الدينية التي كانت تعيش في الخارج والمجتمعات التي اضطهدها صدام حسين وجعلها من الدرجة الثانية والتي تولت السلطة لانها الاكثرية .
فهذا أغاظ الطرف الاخر وقام البعث الصدامي باستغلال هذا الطرف واستخدم المذهب وسيلة باستدراجهم الى تشكيل مجموعات وتحت مسميات متعددة وحمل السلاح والقتال والقيام بالتفجيرات الارهابية من اجل اعادة الخلافة الاسلامية حيث تشكلت من كل المجموعات تنظيم داعش الذي استطاع ان يسيطر على ثلث العراق .
ومازال هذا الصراع مستمرا لغاية اليوم ، وكان الجانب السياسي له حصته في هذا الصراع الذي يغذيه بالفكر والدهاء السياسي وعرقلة عمل الحكومة بذرائع شتى وتحت مسميات كثيرة ومنها التغيير الديمغرافي والاعتقال القسري والتهجير وغيرها .
ان اسباب هذا التعصب هو شعور كل فئة انها افضل من الفئة الاخرى والتي تنامت نتيجة الافكار الدينية التعصبية المتعالية التي اسسها فقهاء المدارس الدينية المختلفة التي تقول كل فئة نحن الأحق بالحكم ونحن الاعلى والاسمى والاخرون يجب ان يتبعونا ويبقوا تحت سلطتنا . واستطاعت هذه المؤسسات ان تقترب من السلطة وتفرض نفسها واستغلال فقهائها من قبل الحكام واستخدامهم في اصدار الفتاوي تحث المجتمع على طاعة الحاكم وعدم الخروج عنه وتقوم باضطهاد المخالفين لمذهبهم .
ومن الاسباب الموضوعية التي ادت الى التعصب حسب بعض المفكرين تندرج في عدة نقاط :-
هو ادعاء الحق المطلق وان كل فئة مذهبية تدعي انها تملكه .
فقدان العدالة والعقلانية أي الايمان بالدين بعيدا عن العقل والفهم والاصرار على الرأي وعدم الاعتراف برأي الاخر .
التعصب الديني غلب على مفهوم المواطنة وحق العيش المشترك بسلام وامان في الوطن الواحد . كما يحصل الان في العراق من تقاسم السلطة على اساس طائفي مذهبي وقومي . وكل طائفة تدافع عن ابنائها .
الجهل بالدين واصوله وقواعده ومقاصده والنظرة السطحية له من أكبر اسباب التعصب . والذي ادى الى الابتعاد عن الروح الدينية وقيمها .
ان خضوع المؤسسة الدينية للسلطة الحاكمة ادى الى خلق سلطة غاشمة والتي خلقت حالة نفسية لدى مجتمعها وهي احتقار الاخرين مما خلق فئة ذات حالة اقتصادية جيدة بدعم من السلطة وايضا تتبوأ مراكز عليا فيها وتضطهد الاخرين الذين يعانون من الفقر وادنى مستوى من المعيشة ويعيشون حالة الخوف والحرمان من التعليم العالي . ونتجت عن هذه السلوكيات من قبل السلطة ومؤيديها ان تقوم الجهة المعارضة والمتمسكة برؤيتها الدينية والمذهبية ان تكون في حالة تصادم وصل الى حد حمل السلاح ومقاومة السلطة واستمرار الصراع لفترات طويلة .
وان الوسائل الكفيلة لعلاج حالة التعصب الديني والطائفي او المذهبي تعتمد على تفعيل عدة امور :
العمل على فهم الدين وتعاليمه بشكل سليم وابعاد الحالات العدوانية للمتعصبين عن الدين .
دعوة المجتمع للتعايش السلمي وتقبل الحوار بين الطوائف المختلفة .
جعل الاعلام في خدمة التصالح الاجتماعي ورفض الاعلام المضلل .
يجب ان يكون الخطاب الديني معتدلا والابتعاد عن الغلو ونبذ التطرف ويدعو الى الوحدة .
الابتعاد عن الخطاب السياسي التحريضي والمتطرف وان يكون خطابا يدعو الى الوحدة الوطنية .
ان تعمل الحكومة على اقرار العدالة بين افراد المجتمع وعدم التمييز بين افراده .
كبح جماح المتعصبين من خلال ايجاد قوانين تمنع الفتن الطائفية وبسط سلطة القانون .
خلق حالة من التعاون المجتمعي واقامة الفعاليات المتنوعة التي تقرب بين الفرقاء .
خلق بيئة اسرية تحترم الاخرين وعدم استخدام الالفاظ التي تثير المشاعر فيما بينها .
ضرورة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .
ان تكون هناك عدالة اجتماعية في كافة المفاصل تقوم فيها الحكومة بالتعامل مع افراد المجتمع بمختلف طوائفهم .
ان تقوم الحكومة بالتوزيع العادل للثروة بين افراد المجتمع .
ان تكون هناك عدالة في توزيع الوظائف وحسب الكفاءة وعدم التمييز .
الاهتمام بالتعليم وابعاده عن الخلافات المذهبية في المناهج .
خلق حالة من التعاون بين الجميع .
ان اعتماد برامج فعالة من قبل السلطة والمؤسسات الدينية المختلفة في خلق حالة من التعايش السلمي والتعاون بين افراد المجتمع بكافة اطيافه تعتمد على روح المواطنة وغرسها وقبول الاخر واحترام رأيه سوف يؤدي الى نشوء مجتمع متجانس تسوده حالة الامن والعيش بسلام وتكون له نتائج ايجابية من الاستقرار والتطور بشكل متصاعد على مر الزمن واللحاق بالامم المتقدمة .


الكاتب والصحفي
عامر جاسم العيداني
Newzaman96@gmail.com

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

 


 


 


#buttons=(Accept !) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. اعرف المزيد
Accept !